المقالات
2021-08-13

زكي السالم .. سندباد المتعة والدهشة


“يعد أدب الرحلات فنًّا قل طارقوه هذه الأيام وشاح عنه كثير من الكتاب حتى أصبحت المكتبة العربية ظمأى إليه”.

بهذه العبارة يطرق الشاعر والأديب زكي السالم باب يومياته ليلج إليه بروح الشاعر وقلم الأديب ودعابة الكاتب، ويختزل بين دفتيه الكثير الكثير من ممارساته الأدبية الممتعة والتي تتوهج تارة من بين السطور وتارة أخرى بابتسامة على محيا القارئ.

ويظهر السالم في يومياته السندباد الذي مخر برحلاته الجوية عباب السماء لينتقل من دولة إلى أخرى مرة شاعرا في أمسية هنا وأخرى سائحا هناك، ويصحب في رحلاته بعض الأصدقاء الذين يشاركونه مشاهد تلك الرحلات في صورة مليئة بالقفشات الكوميدية تارة والأدبية تارة أخرى.

تميز السالم بسكب يومياته في شكل سردي مغاير عن المألوف، يتكئ فيه على حافظة أدبية وبراعة كتابية تنبئك عن أديب يجيد بمهارة كيف يلعب بالكلمات ويراوغ بجدارة في صناعة أهدافه السردية، يفتح للقارئ لغة جديدة تشده للدخول إلى معارج الخيالات ليعيش الأحداث الرهيبة والمواقف اللحظية وتتابعات المشاهد التي صورها الكاتب بلفظة منسابة إلى القلب والعقل، تنم عن روحه المرحة ودعابته المتألقة.

يقفز السالم بذاكرته الأدبية الرشيقة ليستدعي ما خلف الشعراء من رونق نصوصهم ويوظفها في يومياته بشكل منقطع النظير، وذلك مثل قوله في يومياته اللبنانية : “لكنه قدري وقدر الشعر الذي ما إن يسف طائره حتى يرف من جديد كما قال صديقي المرحوم ابن زريق البغدادي ساعة نأي:

ما آب من سفر إلا وأزعجه
رأي إلى سفر بالعزم يزمعه
كأنما هو في حل ومرتحل
لكن موكل بفضاء الله يذرعه”

أو كقوله : “بدأت أمد عنقي لتخطفها بيروت ببساط أشعتها الفضي الممتد عبر الأفق، كأن صديقي أبا نواس عناها حين وصف خمرته:

كأن صغرى وكبرى من فواقعها
حصباء درٍّ على أرض من الذهب”

هذا الأسلوب والذي يشعرك بأن هذا السندباد وفي لمحة من خيال قد كان جليس هؤلاء الشعراء ومسامرهم يقرع معهم البيت تلو البيت والقصيدة تلو القصيدة، كما أنه زامل ذات وقت أمير الشعراء أحمد شوقي ونقل عنه في يومياته الماليزية، وهناك الكثير من الاستدعاءات الشعرية والفنية التي وظفها السالم بشكل متناسق ومتلاحم مع سردياته اليومية.

ومما يثير دهشة الإعجاب أن تتولد بداخلك شلالات من الضحك العارم عندما تمر على فكاهة “السالم” التي كان – في وجهة نظري – محور ارتكاز اليوميات الطريفة، حيث يخرجك وبدون تملق من الرتابة السردية الباردة، ويطفو على تنقلات هنا وهناك مفعمة بقفشات كوميدية تنسيك هم الحياة من عجاج الضحك، فمن ذلك قوله في يومياته المغربية: “ثم فتحوا الباب الخلفي فاقتحم علينا هواء عاصف فسألني أحد العمانيين … : هل ستلغى رحلتنا؟ قلت: لا، وإنما سيقتنعون بفكرتنا أن ندفع الطائرة ويطيرون وبابها مفتوح حتى يداعبنا الهواء .. قال، والله إن عملوها سأنط من الطائرة واللي فيها فيها”. وكقوله في يومياته الماليزية: “فقلت ما دام الأمر كذلك ما رأيكم أن نزحف لها زحفا على الأقل نعتلي ببطوننا رملا لا ماء، فقال صاحبي:(يا زينك ساااكت) ولنأخذ باقتراحك الأول (طيرااان)”. بهذا الأسلوب ينتزع السندباد السالم عقارب الساعة ليضع القاريء في سبات من المتعة اللامتناهية.

ومما (يدغدغ) المشاعر ويستفز حاسة الذوق الأدبي الرفيع ما يثيره السالم أثناء وصفه للمشاهد السردية في يومياته، يرتفع بنبضات الدهشة إلى حد النشوة، يذكرك بوصف (ألف ليلة وليلة)، أو مقامات (بديع الزمان)، ولكنه ينتحي منحى آخر بإضافة بعض الطرواة والحداثة ولفت انتباه الحاسة الأدبية، فمن ذلك قوله في يومياته اللبنانية: “يوم الأربعاء كباقي أيام يناير كان زمهريري الطلعة، قشعريري النفضة، تسونامي الهبة .. وأنا خارج من حمام ساخن، وجدتني ملتفا بالرعدة، محاطا بالنفضة، متلفعا بالزفنة وركبتاي (تتلاطخان) كركبتي راقصة باليه”. وهكذا يستمر هذا السندباد بإثارة المتعة في يومياته متنقلا بمزاج (رايق) على هضبات الأدب والروعة منسابا في شلالات البسمة والدهشة.

والسؤال / هل سيخط السالم يوميات جديدة في قادم الأيام؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى