المقالات
2021-07-04

جاسم الصحيح.. قصيدة في امتداد العمر


تدور عجلة الحياة على إيقاع متسلسل تنغمه التجربة الذاتية التي يصنعها الفرد في كل دورة، وهنا نجد أن الشاعر يجسد تجربته في قالب فني أدبي يصوغه على مزاج من طراوة الكلمة وعذوبة الحرف. وربما يبدأ بالإبحار في سلسلة من التوهجات الذاتية التي صقلها بقارب عنفوانه الشاعري.
فعندما نمعن في دوح الشاعر جاسم الصحيح، نجده قد ألف الحياة وما زال يفتح في جبهات العمر نوافذ الجمال، يتمسك بحقيبة عمره الماضي ويعدو ليمسك بالعمر الآتي فيقول في قصيدة هي (الثلاثون):

لا زال عمري معي لا زال مشواري
يسري بأبعاد هذا الكوكب الساري

وما يلبث الصحيح أن يزخرف الأرض بوجوده ويشير إلى الكائنات من حوله أنه جزء لا يتجزأ من الدهشة التي تخترق بروعتها صدر كل مجاز في هذه الأرض فيقول:

حكايتي جدول يجري ولست أنا
إلا الخرير بهذا الجدول الجاري!

لم يتسع لي تيار لأركبه
كأنما أنا من نفسي بتيار !

ويفتح الشاعر حقيبته ليرى أن عمرا مرّ به مقداره ثلاثون عاما يستجلب منها الذكرى التي ما فتل أن وضعها على تلة النسيان:

هبطت من تلة النسيان منتقلا
من نعش ذكرى إلى تابوت تذكار

ويبدأ في رحلة التأرجح في شريط الذكريات التي مرت أمامه وقد بلغ الثلاثين لينحت في سطور أوراقه أو لنقل سطور خياله روعة الذكرى في هذه المرحلة من العمر، وينتقل بشيء من الوجع إلى ومض الأمل، ويعيد في زفرة من آه تلك السنين التي التحم فيها بأعاصير الحياة اللاهبة فتارة يقطعها وتارة …

هي الثلاثون مرت بي على وجع
كما يمر غريب الدار بالدار

عملت جهد عظامي في سفينتها
أعلي الشراع وأكسو قامة الصاري

ثم يستاف الشاعر هذه المرحلة من العمر، وينصهر في حلة من الأمل المتجدد، ويشكل ذاته برفقة الفجر ضوءا ممتدا يتماس مع كل إبداع تخلقه الحياة، ويجمع بمذاق الحرف الشهي شتات مرارة الوقت ويمزجها بعمره، ليقفز نحو الصباح نافضا بقايا اليأس:

واليوم حيث أعاد الفجر هندستي
وامتد مثل عمود الصبح معماري

تقاعد اليأس من روحي فغادرها
حورية أفلتت من جنة الباري

وفي ظلال خيمة الأربعين يصف الشاعر يقينه في هذه الحياة بنوع من التشرد في طيات الأزقة الماضية، ليرفض إلى حد القبول هواجس الترحال ما بين حقيقة وأخرى، فهناك الطفل صقيل القلب من ربيع طفولته، وهناك أصدقاء الحديقة في أعشاش الحنين، والفلاح الذي زرع دمه في الحقول ليعزف ذاته، والإنسان الباحث في جغرافيا الإنسان عن تضاريس يستدل بها على الطريق، وكل ذلك يأطره بصدفته الأجمل في كل لحظة وهي الحب…

فوضاي خارطتي
ولم أر صدفة كالحب..
إن الحب يسقط في الحشا سهوا
كأن السهو منبته العريق

ويعود في مصب مسيرته والتي امتدت لأربعين عاما، ينساب في حياض التيه الأول والبعثة الأولى لإحساسه الممتد في دائرة الزمن، يرسم خارطة هنا ويمشي بعكسها هناك، ينفث موسقته بكل خطوة يطير بها ليعبث في مساحة العمر بشيء من الكناية التي أرته ضفة أخرى من الكلمات، يمشط جدائل عمره مفتشا عن مستلزمات الروح…

وسرت خطاي
على خطى (جلجامش) الأولى
فصارعت الوحوش على مدى روحي
ومشطت المسافات الطويلة
كالجدائل
غير أني لم أفتش في دروب الغيب
عن أبديتي..
فتشت عن مستلزمات الروح
في كينونة
صدئت إلى الإكسير
من أعماق داخلي السحيق

ويصل الصحيح بكل يقينه إلى الطابق الخمسين مستلهما كل التجارب التي صقلتها مسيرته في جسد من بديع الهدوء ويقين الثبات، وشيء هنا وهناك مبعثر من ذكريات، يتلقف التفاصيل الماضية بداخل جعبته التي فصلها بمقاس روعته، ثم ينزاح بكل ما تعنيه الكلمة من عنفوان الشاعر إلى معنى ينسل من روح تتمتع بنشوة الوصول…

صعدت الطابق الخمسين مني
كما صعدت معارجها الصلاة

طوابق ما بها إلا ذواتي
مبعثرة وأسمائي شتات

هنا كينونتي انتثرت وطاشت
تفاصيلي.. هنا العُمُر الفتات

فما من طابق إلا لي اسم
به، وحقيقة عني وذات

هنا أشرقت من شرفات صبح
ندي عطرته البسملات

يمثل جاسم الصحيح الشاعر الذي تجسد في قوالب عمره، فصب في كل مرحلة ينبوعا، منسابا بخريره في صورة إحساس معزوف بجمال الكلمة وروعة التركيب ودهشة المعنى، وينبثق من داخله (الصحيح) الآخر الذي نزع من كل مرحلة في عمره ياقوتة بلورها في شكل إكسير يرتاده العابرون.
وفي سبيل آخر، يُسكب ذلك الوقت الذي مر وبالتأكيد لن يعود، بكل ما فيه في كأس يتذوقها المارّون على السطور، ولكل كأس نكهته ومذاقه، حيث تبرز عند العالم في سيرته وعند الكاتب في كتاباته وعند الشاعر في رؤاه واختلاجاته.
ويأتي السؤال:
هل سيقف الصحيح (طفلا) على شاطئ السبعين؟!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى